من الطريق السيارة إلى الطريق الذكية:  تونس تدخل عصر إدارة المرور بالبيانات

لم تعد الطريق السيارة في الاقتصادات الحديثة مجرد

شريط إسفلتي يختصر المسافات بين المدن، بل أصبحت منظومة رقمية متكاملة قادرة على مراقبة حركة المرور، استشراف المخاطر، توجيه السائقين والتدخل قبل أن يتحول الخلل الطارئ إلى حادث أو اختناق مروري. وفي تونس، يبدو أن الطريق السيارة بدأت تخطو فعليا نحو هذا التحول من خلال برنامج تحديث وتجهيز الطرقات السيارة بالمنظومات الذكية للإرشاد والسلامة المرورية، في وقت تفرض فيه كلفة الحوادث والاختناق المروري على الاقتصاد التونسي الانتقال من منطق صيانة الطريق إلى منطق إدارة الطريق بالبيانات.

تمتلك تونس شبكة طرقات سيارة يبلغ طولها 743 كيلومترا، وفق وزارة التجهيز والإسكان، وهي شبكة تؤدي دورا محوريا في الربط بين الجهات ودعم حركة الأشخاص والبضائع. و تستهدف السياسة الرسمية تطوير الشبكة وتحسين صيانتها وتعزيز السلامة وضمان سلاسة حركة المرور،غير أن اتساع الشبكة وتزايد حجم التنقلات يفرضان اليوم تحديا جديدا اذ كيف يمكن إدارة هذه البنية التحتية بكفاءة في الزمن الحقيقي؟

الإجابة بدأت تظهر على الطريق. فقد واصلت شركة تونس للطرقات السيارة خلال أوت 2026 تركيز علامات إرشادية ضوئية متغيرة، من بينها علامة جديدة عند النقطة الكيلومترية 144 في اتجاه صفاقس، قبل محطة استخلاص مساكن. وتندرج هذه الخطوة ضمن برنامج أوسع لتحديث الطريق السيارة بالمنظومات الذكية للإرشاد والسلامة. وتتيح هذه اللوحات نقل معلومات آنية إلى السائقين حول وضعية المرور، والتنبيه المبكر إلى الحوادث والأشغال والاضطرابات، إلى جانب نشر الرسائل الإرشادية والتحسيسية.

أهمية هذه المنظومات لا تختزل في لوحة إلكترونية أكثر تطورا من الإشارة التقليدية. الطريق الذكية الحقيقية تبدأ عندما تصبح اللوحات جزءا من منظومة متكاملة تضم كاميرات المراقبة، أجهزة استشعار حركة المرور، محطات الرصد الجوي، أنظمة كشف الحوادث، مراكز قيادة وتحكم، وشبكات اتصال قادرة على نقل المعلومات وتحليلها بسرعة. عندها يمكن للبيانات أن تتحول إلى قرارات: تخفيض السرعة في مقطع خطر، تحذير السائقين من حادث، اقتراح مسار بديل أو إعادة توزيع حركة المرور قبل تشكل الاختناق.

وتكتسب هذه التكنولوجيا بعدا اقتصاديا مباشرا في تونس. فكل دقيقة ضائعة في الاختناق المروري تعني استهلاك وقود إضافيا، وارتفاع تكاليف النقل، وتأخير وصول السلع والأشخاص، فضلا عن كلفة الحوادث على الصحة والإنتاجية. وتزداد الحاجة إلى هذا التحول في ظل استمرار ارتفاع مؤشرات السلامة المرورية؛ إذ أظهرت أحدث المعطيات المنشورة خلال 2026 ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، رغم انخفاض عدد الحوادث.

والتجارب الدولية تؤكد أن الاستثمار في الطريق الذكية ليس ترفا تكنولوجياففي مشروع أوروبي شمل ألمانيا وإيطاليا وهولندا، تم نشر 301 وحدة كشف و192 لوحة رسائل متغيرة، وأسهمت المنظومة في تحقيق تحسن بنسبة 13 بالمائة في كفاءة التنقل، وانخفاض الحوادث بنسبة 34 بالمائة، وتراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 22 بالمائة على المقاطع المعنية. وهي نتائج تكشف أن العائد على الاستثمار في الذكاء المروري لا يقاس فقط بعدد الأجهزة المركبة، بل بالوقت الذي يتم توفيره والأرواح التي يمكن إنقاذها والانبعاثات التي يمكن تفاديها.

لكن نجاح التجربة التونسية يتطلب تجاوز المقاربة الجزئية. فاللوحات الذكية ينبغي أن تكون نواة لشبكة وطنية لإدارة حركة المرور، مرتبطة بمراكز المراقبة وبالشرطة والحماية المدنية ووسائل الإسعاف، وقادرة مستقبلا على التواصل مع التطبيقات الرقمية والمركبات المتصلة. كما أن جمع البيانات يجب أن يتحول إلى قاعدة لاتخاذ القرار، وليس مجرد أرشيف تقني.

الرهان الأكبر أمام تونس هو بناء منظومة قابلة للتوسع والتكامل، مع ضمان الصيانة الدورية للأجهزة، أمن الشبكات، تكوين الكفاءات المحلية، وتوفير مؤشرات واضحة لقياس أثر الاستثمار. فالطريق الذكية لا تُقاس بعدد الكاميرات واللوحات، وإنما بقدرتها على تقليص زمن التدخل، خفض الحوادث، تحسين انسيابية المرور وتقليل كلفة النقل.

من هنا، يمثل برنامج تحديث الطرقات السيارة بالمنظومات الذكية أكثر من عملية تجهيز تقنية؛ إنه اختبار لقدرة تونس على تحويل بنيتها التحتية إلى أصل اقتصادي رقمي. وإذا نجحت في ربط الطريق بالبيانات وبالقرار وبالخدمات، فإن المسافة بين الطريق السيارة الحالية والطريق الذكية لن تكون مجرد مسافة تكنولوجية، بل خطوة نحو اقتصاد أكثر كفاءة وأمانا وقدرة على المنافسة.

هذا النص في حدود 600 كلمة وبصياغة صحفية اقتصادية تحليلية، مع تجنب التطبيل والتسويق المباشر، وربط الاستثمار في المنظومات الذكية بكلفة النقل والسلامة والقدرة التنافسية للاقتصاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115